ملامح حداثية في شعر البردوني

ملامح حداثية في شعر البردوني

د. عبدالعزيز المقالح

 

 

اعترف بداية أنني لم أكن أرغب في الكلام على حداثة شاعرنا الكبير تحت هذا العنوان فقد كنت- ومازلت- أرى أنه شاعر حديث بكل ما تحمله كلمة حديث من مفهوم المعاصرة والتجديد، وباستثناء بداياته القليلة التي كان واقعياً فيها- شأن كل مبدع مبتدئ- تحت تأثير بعض الشعراء القدامى والإحيائيين أمثال أحمد شوقي وحافظ إبراهيم والرصافي وأضرابهم، فإن الشعر الذي كتبه بعد مرحلة البداية يصب في نهر التحديث بكل طموحاته ومغامراته، سواء من خلال الأسلوب الذي يصطنعه أو من خلال الموضوعات التي يتبناها، ويمكن لنا أن نتكلم على هذا الشعر عبر ثلاثة ملامح رئيسية تتحدد بحسب المؤثرات التي خضع لها الشاعر هي: الملمح الرومانسي، والملمح الواقعي، والملمح السوريالي.

البردون الشاعر وحداثة البردوني الإنسان والثائر قد تلازمتا وتناغمتا، وكانتا دليله إلى “مدينة الغد” التي ظل ينشدها في شعره ومواقفه.

قبل الاقتراب من الملامح الحداثية في شعر الشاعر الكبير عبدالله البردوني تجدر الإشارة بإيجاز شديد إلى مفهوم الحداثة عند القدماء والمعاصرين من نقاد الشعر العربي عبر العصور، مع التأكيد على حقيقة لم تكن غائبة في وقت من الأوقات ومؤداها أن الشعر العربي لم يعرف حالة الركود والاجترار إلا في القرون التي أعقبت انهيار الدولة العربية الإسلامية وما تلاها من توقف حركة التطور والتجديد ومن عزل للوطن العربي عن سياق التفاعلات الواسعة التي كان أبناؤه يخوضونها بوعي واقتدار، والتأكيد على هذه الحقيقة والتعمق في أبعادها من شأنهما أن يجنبانا بل يقيانا الوقوع في براثن التفكير الرديء وأعني به ذلك المستوى من التفكير الذي يصور لنا أن كل جديد ماهو إلا خروج عن سياق الأصالة وإساءة للنموذج الإبداعي الأول، أن كل حداثة بدعة مستوردة من الآخرين الذين هم أعداؤنا بالضرورة، وأن المحافظة على لغتنا وأدبنا بشقيه النثري والشعري لن تتحقق إلا بالانكفاء على الذات وبرفض منطق التفاعل والقبول بالعيش في دائرة ضيقة بعيداً عن الرؤى والقضايا والعلاقات الجديدة.

وتحاول هذه الإشارة الموجزة إلى مفهوم الحداثة قديما أن تسترجع مواقف ثلاثة تيارات إبداعية في الشعر العربي يرافقها أو يعكس مواقفها ثلاثة تيارات نقدية شغلت الماضي كما تشغل الآن الحاضر وكأنها تؤكد نظرية التناسخ في الأفكار والمواقف وهذه التيارات الثلاثة هي:

1- تيار شعري تقليدي محافظ على مرجعيته الأصولية التي تعود إلى شعر ما قبل الإسلام، ويتركز جهده ومحافظته على الشكل البنائي الخاص بترتيب القصيدة بدءاً بالنسيب والوقوف على الأطلال من جهة وعلى الجانب الفني المرتبط بالبلاغة وطريقة بناء الاستعارة بما لا يخرج عما تواضع عليه الشعراء في ذلك الزمن السالف الذي أصبح مرجعا ونموذجا. وشعراء هذا التيار كثيرون ومن نقاده المشاهير عمرو بن العلاء الذي يناوئ كل تحديث ويرى فيه ضعفاً وركة وخروجاً على النموذج الكامل وقد روت عنه كتب النقد قوله بعد تمكن الحديث من إثبات وجوده (لقد كثر هذا المحدث وحسن حتى لقد هممت بروايته)(1)

2- التيار الشعري التجديدي الذي يحافظ على الشكل البنائي للقصيدة ويخضعه لاستيعاب المتغيرات في الرؤى والتحول في التعامل مع اللغة وصوغها بما يتناسب مع قدرتها على تلبية ثقافة الواقع وشروطه الثقافية، وله رواده وأقطابه في الماضي ورواده وأقطابه في العصر الراهن ولم يحفل هؤلاء الرواد بمواقف التيار السابق ولا بمقولاته الجامدة ومنها قول الآمدي (وإنما ينبغي أن ينتهي في اللغة حيث انتهوا ولا يتعدى إلى غيره فاللغة لا يقاس عليها)(2)

3- التيار الشعري التجديدي أو الحداثي الذي يسعى إلى تجاوز النموذج البيتي، وكانت البداية مبيتات ومسمطات ثم موشحات وصولا إلى ما يسمى بشعر (البند) الذي يشبه النثر في طريقة كتابته مع محافظته على الوزن، ولقد لقي هذا المستوى من التجديد اعتراضاً شديداً، فكان الموشح، وهو الفن الشعري الذي حاول في وقت مبكر اكتشاف إيقاعات وأوزان وتشكيلات بيتية جديدة- مرفوضاً ومعدوداً خارج الشعر، وجاءت تسميته بالموشح إبعاداً وتمييزاً له عن الشعر بالمفهوم السائد.

وهذا يؤكد بوضوح أن العربي كان دائما بحاجة إلى التجديد والتجاوز إما في لغته أو في بنيته أو في موضوعاته، كما يؤكد أن التعايش بين هذه الأنماط أو التيارات الثالثة قد بقي إلى العصر الحديث حيث بدأ التجديد في المهجر على شكل قصائد متعددة البحور وتفيد من نظام الموشحات، كما بدأ التحديث داخل إطار القصيدة البيتية، وحقق شعراء الحداثة المضمونية -إذا جاز التعبير ومنهم على سبيل المثال لا الحصر بشارة الخوري – وعمر أبو ريشة وسليمان العيسى والبردوني والجواهري وسعيد عقل، حققوا نجاحا هائلا في أن يصبوا داخل الإطار التقليدي للقصيدة خلاصة ثقافتهم الحديثة، وكما اخترق أبو نواس ومن بعده أبو تمام المألوف ليحدثا جديداً داخل القصيدة العربية دون أن يضطر إلى تهشيم نظامها البيتي فقد أحدث الشعراء المعاصرون ثورة فريدة مؤكدين بذلك أن الشاعر الحقيقي في كل عصر لا يخضع للتقليد ويرفض الاستسلام لأساليب سابقية والكتابة على منوالهم والحداثة في أبسط تعريف لها هي التعبير عن الفاعلية الزمانية والمكانية وعلى ضوء هذه الفاعلية يعيد كل جيل ترتيب أفكاره وأساليبه ويحاول كل فرد موهوب في هذا الجيل أن تكون له لغته الخاصة أو بعبارة أدق امتلاك لغة تستوعب رؤاه وتسمو إلى أفقه الفني والمعنوي.

ويستطيع القارئ أن يكتشف بنفسه أن البردوني الذي كان أكثر الشعراء المعاصرين -المشار إليهم فيما سبق- محافظة على نظام القصيدة البيتية هو في الوقت ذاته أكثرهم خروجاً على هذا الشكل من داخله ومن خلال استيعاب المغامرة،. وفي كتابي “أصوات من الزمن الجديد” دراسة بعنوان “عطر جديد في آنية قديمة” مقاربة تحليلية لهذا المستوى من التجديد في القصيدة البردونية وقد بدأت الدراسة بالسؤال الآتي: (هل رأيت العطر أو “الباروفان” الباريسي الحديث في زجاجة قديمة؟ إذا لم تكن قد رأيته فإنني قد رأيته أنا، ولكن في ديوان شعر.. نعم ديوان شعر يجمع بين المحتوى الحديث والشكل القديم، بين الرؤية التحليلية التي تتواءم مع الرؤية التمثيلية لشاعر حديث مثل (سان جون برس) والبنية التراثية التي تذكرنا بالأعشى، والنابغة، وأضرابهما من الشعراء الجاهليين، كيف حدث هذا؟ وأين حدث؟ وتمضي الدراسة بعد ذلك إلى القول: (إن قراءة عابرة في ديوان الصديق الشاعر الكبير عبدالله البردوني كفيلة بالرد على السؤال، وقادرة كذلك أن تعطينا تصورا كاملا عن كيفية اللقاء الواعي بين الماضي الحاضر، والعناق الملائم بين الإبداع والتراث، ولقد تمكن شاعرنا في ديوانه الأخير، “زمان بلا نوعية” ان يتوصل إلى المعادلة الصعبة في عالم الشعر، واستطاع أن ينجح فيما فشل فيه الآخرون، عندما حافظ على الغنائية المتكاملة، وهي أهم ما تتميز به القصيدة التراثية، في الوقت الذي شحن فيه قصائده بالمضامين المواكبة للعصر، وكأنه بذلك يضع شعار الأصالة والمعاصرة موضع التطبيق)(3).

وفي كتابي “من أغوار الخفاء إلى مشارف التجلي” دراسة أخرى بعنوان “البردوني ورحلة التجاوز من القصيدة البيتية بالقصيدة البيتية” وفيها أي الدراسة قراءة متأنية لعدد من الدواوين الأخيرة للشاعر وما تحمله من مغامرة جديدة ومدهشة داخل النظام البيتي، مغامرة تصنع اللامألوف من المألوف وتقيم الجسر المفقود في حركة التنوير الشعري في امتدادها من البيت إلى القصيدة، ومن القصيدة إلى النص الفني المعاصر، وهو أي البردوني- بهذه الدواوين يثبت أن كل الشعراء العرب المبدعين والحريصين على الانتماء بشعرهم إلى الوجود المعاصر قد شاركوا جميعاً وبمستويات مختلفة في هز القصيدة التراثية وآفاقها كلٌّ بأسلوبه فمنهم من حاول تفكيك القصيدة إلى مقاطع ومنهم من حاول تفكيك البيت إلى تفعيلات مع الاحتفاظ بموسيقى البحر، ومنهم من حاول تفكيك القصيدة والبيت معا وصولا إلى القصيدة النثرية، وكل هذه المحاولات مشروعة وضرورية للشعر إذا كان الهدف هو الإبداع وإثبات أن نبض القصيدة كنبض التاريخ تطورٌ لا يتوقف ولا ينتهي ولا يعترف بالقيود والسدود، فالتوقف صيغة للموت وصورة من إعلان إفلاس الإبداع.(4)

وتصل الدراسة إلى الدور المهم الذي نجح فيه شاعرنا البردوني في الخلاص من التأثير البنائي للقصيدة الموحدة البحر والقافية والخروج بها إلى مرحلة التحدي التاريخي حين تبدو ظاهريا تكراراً لصيغة الشكل التقليدي في حين أنها تتمتع بمقومات الحداثة والمعاصرة، وحتى الإيقاع الموسيقي الذي يبدو مع القافية أقل عناصر القصيدة البردونية حداثة لا يخلو من الجدة، فهو يستجيب للتمرد اللغوي ولخللة تركيب الجملة الشعرية، والقافية وهي جزء من الإيقاع الموسيقي لا تؤدي إلى تقطيع أوصال القصيدة أو إلى تفتيت معانيها، كما كانت ولا تزال تظهر في شعر كثير من النظامين، وإنما هي جزء من البنية ليست ملتصقة بالبيت ولا خارجة عن النسق الشعري ولم تعد مهمتها إيجاد التوافق الصوتي مع بقية الأبيات أو إعلان نهاية المعنى وإفساح الطريق لمعنى جديد، إنها تتلاشى بإيقاعها الحاد في البنية الداخلية للقصيدة وتوشك القصيدة من هذا النوع عند البردوني أن تصير مدورة، ويستطيع القارئ أن يلم بها دون أن يتوقف عند نهايات الأبيات وهذا هو المقطع الأول من قصيدة زمان بلا نوعية

غريبة ياطارئات مثلي

شريدة مثلي ومثلك أهلي

منقادة مثلي لكل ريح

رمل الفيافي أهلها وأهلي

لأنها رملية شبيهي

أتى غباراًً كنسلها، ونسلي

كما التقى مستنقع قبيح

كان تفاجئ زمرها وطبلي

مثلي بلا فعل ولا تخلٍّ

هل فعلنا أخوَى أم التخلي

مثلي بلا ماض، وما يسمى

(مستقبلي) يأتي، يموت قبلي(5)

هذا المقطع يمكن أن نقرأه على نحو آخر تختفي معه العمومية أو البيتية، وتتشابك فيه المعاني وتتوحد البنية الخارجية بالبنية الداخلية دون أن يحدث قدراً من الاختلال، ودون أن يؤثر التشكيل الجديد على وضوح التجربة وتطور مسارها، بل ربما زاد هذا الجانب وضوحا واستكمالا، وربما اتجه إلى الكشف عن وحدة البناء العضوي، وحدد ملامح تجربة متميزة تستطيع أن ترتفع إلى مستوى التحدي التاريخي لفن الشعر(6).

ومهما قيل عن الإطالة في هذا التقديم، واعترف أنها كذلك، لكنها تبدو من وجهة نظري على الأقل- ضرورية لمعرفة أبعاد التجاوز التي قطعتها القصيدة البردونية في مضمار التحديث فضلا عن المحاولة الهادفة من خلال هذا التقديم الذي أكرر الاعتراف بأنه طال- إلى وضع تجربة الشاعر في سياقها التاريخي والمعاصر بوصفها واحدة من أهم التجارب الشعرية الحديثة التي استأثرت بوجدان القارئ العربي، وكانت وستبقى محل اهتمام النقد الأدبي لا بكونها تجربة رائدة في مجالها وحسب وإنما مغامرة فنية لم تمنعها الأطر المحددة سلفا عن التعدد والاتساع وتغيير المعادلات التي ترسخت عبر الكتابات النقدية الجادة التي كانت وما تزال ترى أن هامش الحداثة داخل القصيدة البيتية محدود أو شبه معدوم.

الملمح الرومانسي

لا مكان للشك بين الدارسين المهتمين بالشعر العربي الحديث.. في أهمية ما اضطلع به الاتجاه الرومانسي من إشاعة النزعة التجديد والتمكين للشاعر العربي من اكتشاف منهج مغايرة في الكتابة الشعرية، ومن حسن الحظ أن الرومانسية عندما تلقتها الحياة الأدبية العربية في العشرينات من القرن المنصرم لم تكن تعبيراً عن الإحباط والهروب من الواقع كما كانت في بداية ظهورها في أوروبا وإنما كانت بمثابة الثورة الفنية الشاملة ثورة في الأسلوب وفي المعجم الشعري وفي الحنين إلى الطبيعة وتجاوز موضوعات الشعر العربي القديم كالمدح والهجاء، صحيح أن عدداً قليلاً من الشعراء العرب قد وجدوا في هذا الاتجاه فلسفة أو مرجعية للشعور بالقلق والإحساس بالضياع والتشاؤم من الوجود إلا أن غالبية شعراء العربية الذين اقتربوا من هذا الاتجاه بوعي قد أفادوا من سماته الجوهرية وكتبوا في ظل مؤثراته شعراً إنسانياً بديعا متألقا في صوره ومفرداته وموقفه وفي حنينه إلى العدل والمساواة. وإذا كان الأثر الإيجابي لهذا الاتجاه قد بدأ مع أبي القاسم الشابي وعلي محمود طه وإبراهيم ناجي ومحمود حسن إسماعيل فإن تجلياته الأوضح كانت مع السياب ونازك الملائكة والبياتي وبلند الحيدري وصلاح عبدالصبور وأدونيس وأحمد حجازي حيث قاد إلى اكتشاف التجربة الجديدة في الشعر العربي الحديث، فقد خرج هؤلاء جميعهم من عباءة الرمانسية.

وإذا كانت اليمن لأسباب جغرافية أو سياسية قد انعزلت عن العالم بعامة وعن أقطار الوطن العربي بخاصة فإن ذلك لم يمنع بعض أبنائها المبدعين من الخروج إلى بعض العواصم العربية كما حدث لأربعة من الشعراء الرواد وهم محمد عبده غانم ومحمد محمود الزبيري ولطفي جعفر أمان وعلي محمد لقمان، فقد تلقى الأول دراسته في بيروت في أوائل الثلاثينيات وحاول الثاني أن يدرس في القاهرة في أواخر الثلاثينات ولم ينجح بينما أفاد الثالث من دراسته في الخرطوم في الأربعينات والرابع والأخير تلقى دراسته في القاهرة في الفترة ذاتها تقريبا وحمل أربعتهم نسمات الرومانسية وسماتها وسرعان ما التقطها شاعران مقيمان في الوطن هما إبراهيم الحضراني وأحمد الشامي، وبفضل الجهود الإبداعية التي بذلها هؤلاء استطاعت الحداثة أن تؤسس لها مساحة في الحياة وفي وعي الناس.

وفي منتصف الخمسينات كان البردوني قد استوعب الموروث واستبطنه حفظاً ومحاكاة وحينها بدأ يتجه إلى قراءة الشعر الحديث وكان الاتجاه الرومانسي أول المنعطفات الهامة في حياته الشعرية. فالرومانسية تلبي حاجة الشاعر إلى “الحلم” بعالم جديد وإنسان متجدد في إحساسه بالتوحد مع الطبيعة والتعامل بحب وحنان مع كل الأشياء كما هو الحال في قصيدة “عازف الصمت” التي توحد بينه وبين الصخور والقبور بين السهول والتلال بين الوجود والفراغ في لغة صافية وفي صور بالغة العذوبة والجمال:

أطلت هنا وهناك الوقوف

تلبي طيوفا وتدعو طيوفْ

وفي كل جارحة منك.. فكر

مضيء وقلب شجي شغوف

تغني هنا وتناجي هناك

وتغزل في شفتيك الحروف

وتهمس حتى تصير الصخور

فماً شاديا وفؤاداً عطوف

وتعطي السهول ذهول النبي

وتعطي الرؤى حيرة الفيلسوف

تلحن حتى تراب القبور

وتعزف حتى فراغ الكهوف

وتفني وجوداً عتيقاً حقيراً

وتبني وجوداً سخياً رؤوف

وتغرس في مقلتيك الرؤي

كروماً تمد إليك القطوف

وحدي وآلاف البرى

قومي .. وكل الدهر عندي

من جلديَ الخشبيَّ أخرج

تدخل الأزمان جلدي

من لا متى، آتي، أعود

مضيعاً قبلي وبعدي

كحقيقة ملأى ولا تدري

كبابٍ، لا يؤدي

مشروع أغنية بلا صوت

كتابٌ غير مجدي

شيء يخبئه الدجى

في زرع سرته ويبدي(8)

شعر بديع يعزز المنحى التجديدي في القصيدة العربية، ويتمثل بوضوح تام مقاييس الاتجاه الرومانسي وجمالياته، ورغم بوادر القلق والحيرة البادية في الجزء الأخير من هذا المقطع فإنه يبقى شعراً متمرداً وصاخباً وإيقاعه الحزين لا يمنع من الإيحاء بعنف صارخ ضد هذه العدمية التي تنمو داخل النص دون أن يدري الشاعر كمحصلة طبيعية لهذه الوجدانية المتأزمة.. وما أحوج هذا الملمح التحديثي في شعر البردوني إلى دراسة متأنية تتناوله بتوسع.

الملمح الواقعي

لا ينفصل شعرنا العربي بعامة، أو الشعر في اليمن بخاصة عن الواقع الذي صدر عنه، وهو يعبر أصدق تعبير عن حالات التردي التي يعيشها الإنسان العربي في مشرق الوطن الكبير ومغربه.. ومعظم شعر البردوني، إن لم يكن كل شعره مرتبط أشد ارتباط بالواقع المحلي والعربي والإنساني وقصائده كلها أو جلها جدل حي بين الاجتماعي والسياسي والفكري، وقد رأينا في النموذجين اللذين أوردناهما في الملمح الرومانسي كيف أن الرومانسية بما قيل عن كونها مذهبا هروبيا لم تستطع أن تنتزعه عن الواقع الحائر المحير فامتلأ النموذجان بالتمرد والثورة العارمة.

وإذا كانت بعض النماذج الواقعية في الشعر العربي قد اختلطت بالإعلام والدعاوة المباشرة وتعامل معها عشرات الشعراء من منظور تبسيطي هابط يسيء إلى الشعر وجمالياته ويشوه معالمه فإن قصيدة الواقعية لدى البردوني ذات مقاييس حداثية حريصة على أن تكون شعراً وكما تحاول أن تتجه إلى مجموع الناس الذين نسعى جميعا إلى استقطابهم وكسب مواقفهم فإنها تسعى كذلك إلى أن تتحدث إلى ذهنية ثقافية متقدمة تمتلك ثقافة شعرية وتجيد التمييز بين مقومات لاشعر ومقومات النثر، بين الكلام والإبداع، ومن هنا فقد لقيت قصائده الأخيرة وهي شديدة الواقعية والارتباط بواقع الناس الذين ازداد اقترابا من همومهم ومعاناتهم قد لقيت نوعا من الإعراض لأنها ارتقت بمستواها الفني إلى درجة يصعب على عامة الناس إدراك رموزها ودلالاتها، ولأسباب ثقافية بحتة سيظل القارئ العربي يشكو من غموض القصيدة ومن عجزه عن فهم الشعر الجيد المكتنز بالمعنى العميق والأسلوب الساخر الساحر وهذا نموذج واقعي بديع كان قد حمله إلى قبل عقد من الزمن أحد المحسوبين على الشعراء طالبا مني تفسيره:

الرقم العاشر كالثاني

الواحد ألف، ألفان

وسوى المعدود، كمعدود

وسوى الآني، مثل الآني

الألف، الصفر، بلا فرق

يَّان الأعلى، والداني

الفوق سقوط صخري

التحت سقوط إنساني

نفس النوع، الأعلى أدنى

وجه المغنى، ظهر الغاني

سيان القاتل، والراثي

سيان الشامت والحاني

الإنسان الموت الأظمى

ودم القتل الظمىء العاني(9).

أي صورة أدق وأعمق للواقع العربي، بل الواقع الإنساني الذي اختلطت فيه الأمور إلى درجة يصعب معها التميز بين الأرقام والألوان وكذلك بين الأفعال نفسها وبين الأقوال نفسها، إنه واقع شديد الغرابة والقسوة لا يستطيع إدراك أبعاده الحقيقية وقراءة دلالات هذه الأبعاد سوى الشاعر الرائي القادر على النفاد بوعيه المتقدم إلى الواقع المتعين القائم لا الواقع المثالي المنتظر.

وحين نتخلى قليلاً عن تفاؤلنا الساذج سندرك حقيقة هذه المفارقات المتضادة ونعذر الشاعر الذي أمسك بخيوط هذه الشطحات، بل سنكبر فيه وعيه المخالف للمألوف في التعبير وفي أساليب التعبير، والفن الواقعي- كما يؤكد النقاد الواقعيون الأحرار- لا يكون بنقل الواقع من الطبيعة إلى الورق كما تفعل الصورة الفوتوغرافية، وإنما يعطي للفنان، الشاعر والرسام مساحة من حرية التشكيل:

أخي صحْونا كله مأتم

وأغفاؤنا ألمٌ أبكم

فهل تلد النور أحلامنا

ولم يلد الزهرة البرعم؟

وهل تنبت الكرم ودياننا

ويخضر في كرمنا الموسم؟

وهل يلتقي الري والظامئون

ويعتنق الكأس والمبسم؟

لنا موعد نحن نسعى إليه

ويعتنق الكأس والمبسم؟

لنا موعد نحن نسعى إليه

ويعتاقنا جرحنا المؤلم

فنمشي على دمنا والطريق،

يضيعنا والدجى معتم

فمنا على كل شبر نجيع،

تقبله الشمس والأنجم

سل الدرب كيف التقت حولنا

ذئاب من الناس لا ترحم

وتهنا وحكامنا في المتاه

سباع على خطونا حوّم

يعيثون فينا كجيش المغول

وأدنى إذا لوَّح المغنم(10).

تلك صورة واقعية بالكلمات لما كان يعاني منه الشعب اليمني قبل ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962م، ولعل هذا الملمح بحداثته المعنوية، ورؤيته الثورية يشكل الجانب الأكبر من تجربة البردوني الشعرية الذي أصبحت قصائده التعبير الصادق عن هموم الإنسان في هذا الجزء من الوطن العربي والصور الأوضح عن الواقع القبيح الذي ينبغي، بل يجب تغييره:

لماذا لي الجوع والقصف لك؟

يناشدني الجوع أن أسألك

وأغرس حقلي فتجنيه أنت

وتسكر من عَرَقي منجلك

ماذا؟ وفي قبضتيك الكنوز

تمد إلى لقمتي أنملك

وتقتات جوعي وتُدعى النزيه

وهل أصبح اللص يوما مَلَكَ؟

لماذا تسود على شقوتي؟

أجب عن سؤالي وإن أخجلك

ولو لم تجب فسكوت الجواب

صحيح.. يردد ما أنذلك(11).

الملمح السوريالي

يقول خصوم السوريالية إنها فن الكتابة الذي يسعى إلى وضع الرأس مقلوباً في محاولة للإدهاش والإثارة، ولكن هؤلاء الخصوم ينسون الهدف الذي من أجله تفعل السوريالية ذلك، ويقولون أيضاً إنها تسعى إلى تشويش الوعي دون أن يذكروا الأسباب الفنية الكامنة وراء ذلك التشويش الذي يصدر عن قصد يستبعد معه الشاعر المألوف والمتعارف عليه ويبدأ كتابته في حالة شعورية خالية من قيود المنطق، وفي محاولة لتجاوز الواقع الجامد وتركيب الأشياء تركيبا فنياً.

وباختصار، فإن السوريالية (تقوم على الحلم الدائم والمشاعر والأحاسيس البعيدة عن كل هيمنة إرادية، وتخرج من سلطان الوعي المباشر إلى اللاوعي، ومن المنطق العقلي السائد إلى اللاوعي حيث الحقائق الأولى والمواضيع الأولى البعيدة عن مراقبة العقل المباشرة)(12) وقد نجح البردوني في التقاط مؤثرات هذا المذهب الفني وكتابة بعض قصائده في ضوئه؛ لا بحثاً عن الإدهاش والإثارة وإنما في محاولة للفت الانتباه إلى حالة التناقض الموجودة في الواقع والتي تجعل الأمور مقلوبة أو في غير موضعها من جهة وفي تحديث القصيدة العربية والخروج بها من المسكوكات التقليدية من جهة ثانية، ويكاد هذا الملمح يشكل الخصوصية الخالصة في القصيدة البردونية إذ لم يجرؤ شاعر عربي، من شعراء العمود أو التفعيلة على تحطيم التعابير المألوفة عقليا كما فعل هذا الشاعر الكبير الذي شجعته سخريته المريرة على الاقتراب من الخيال بالمفهوم السوريالي:

للريح طعم في حلوق الحصى

وللجواري بالنجوم اكتحال

هذي الشبابيك لها صبوة

إلى وصالٍ غير ذاك الوصال

تلك القناديل وإن راوغت

لها غموض واضح الانفعال

ماذا اعتراني لا أنا عامر

ولست قفراً.. ما اسم هذا المآل؟

يُعيِّر الأحلام، تبدو له

ذوات أنياب وأيد طوال

لها أنوف مثل ريش “القطا”

وأعين مثل دبيب النمال

أقدامها مثل صدى أنة

أكتافها مثل جسوم البغال

يحس رأسين على جيده

وحيث كان الحلق، حل القذال

يلف زنديه على صدره

يصغي كمسلول يقاوي السعال

تلوذ ساقاه بأضلاعه

يهز في إبطيه، وكر اغتيال

أمطار هذا الوقت ضوئية

ياسقف هذا وابل أم وبال(13).

نحن مع هذا النص وأمثاله أمام طقس شعري ولغوي غير مسبوق لا في شعرنا القديم ولا في شعرنا الحديث، تركيب الجملة مختلف وتكوين الصورة أكثر اختلافاً، ولو تساءلنا هل للريح طعم؟ وهل للحصى حلوق كي تتذوق من خلالها طعم الريح؟ لكانت الإجابة بالنفي طبعاً، ولكنه الشعر أو أنها الملامح الأولى السوريالية في القصيدة العربية تعيد تركيب الأشياء كما تراه لا بما هو عليه، وهذا جزء من نص بعنوان: “الجدران الهاربة” هاربة إلى أين؟ هذا ما لا يقوله النص لأنه لا يحفل بأن يقول أو يرد على جواب:

أقبلت كلها الدكاكين ولهى

كبغايا هربن من نسف ملهى

لم يعد من يجيء، جاءت سقوف

فوق أخرى، واهٍ أتى فوق أوهَى

كان يستفسر الغبار الشظايا:

المرايا أو الجراحات أزهى؟

أي صنفي خمارة الموت أرقى؟

الأغاني أو السكاكين أشهى؟

أقبلت كلها العمارات عجلى

تتمطى مخبزاً،وتجتر مقهى

ترتدي آخر الأناقات، لكن

مثلما تدعي الفطانات بلها

كاد يبدو أسفلت كل رصيف

ركبة تحتذي ثمانين وجها

والذي يبتدي، بلا أي بدء

والذي ينتهي، إلى غير منهى(14).

خاتمة

تلك هي الملامح الحداثية في شعر البردوني كما حاول أن يقدمها – باقتضاب- هذا البحث الذي اعترف أنه بمثابة قراءة أولية لهذه الملامح الفنية بالمعاني والصور الجديدة والمحرضة على الأخذ بأسباب التحديث ومقاومة الجمود الشعري، وما من شك في أن ثقافته التراثية العميقة قد ساعدته على التحرر من أشكال الوعي المسبق بالتركيب البنائي للجملة الشعرية وعدم الخوف من تهمة الحداثة إيماناً منه بأن هذا المصطلح ليس جديداً ولا طارئاً مستورداً من وراء البحار كما يتوهم التقليديون ودعاة الجمود وربما تضمَّن تقديم هذا البحث إشارة مباشرة إلى هذه الحقيقة وإلى أن مصطلح التحديث قديم وليس هبة من الغرب وإنجازاته في الآداب.

وبعيداً عن التعصب الأعمى والمبالغة فإن موروثنا الأدبي بشقيه الإبداعي والتنظيري يشمل معطيات بالغة الأهمية تحتاج منا إلى مزيد من الدرس والبحث والتأصيل حتى لا يبقى العقل العربي المعاصر رهن التخرصات ولكي يدرك أن مدارس شتى للحوار في مختلف المجالات الفكرية والإبداعية قد نشأت على أرض العرب قبل قرون من وعي الغرب بها.

وتبقى إشارة أخيرة إلى العلاقة بين حداثة البردوني الشاعر وحداثة البردوني الإنسان والثائر، فقد تلازمت الحداثتان وتناغمتا وكانتا دليله إلى “مدينة الغد” التي ظل ينشدها في شعره وفي مواقفه.

 

شارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *